من قمـــة القلعــــة او شـــــامخ القريـــن الجزء الثاني (2)
اخذ نفسا عميقا من هواء عليل يقبل وجهه وينعش الحياة من حوله .. من هذا المكان الشاهق الذي تعانق فيه مع ذكرياته القى نظرة على الحياه التي دبت سريعا في ما تحته من وجود. الأصوات المتداعيه للعمل ..الحمير التي تنقل روث البهائم الى الحقول.. فرق الغنم التي تنتفض من زرائبها استعدادا ليوم جديد ورحله جديده الى المراعي ..المطابخ في اعلي البيوت يندفع منها دخان الأحطاب المعطر بالشــث والعوسج والبكا والعناص والدمع..مصحوبا برائحة الخبز والسمن الذي استخلص منه فطور تميزبه المطبخ الجبني كالمعصوب والسبايا وبنت الصحن وفطائر الذره الصفراء والذره الرفيعه الممزوجه بالسمن واللبن الرائب ..ها هي النسوة تتداعى الى الحقول وكلا منهن تحمل على رأسها منضده فيها "صبوح البتول وفي يدها منجل القهوه" الأبقار تتوجه زرافات هي الأخرى الى المراعي والمروج..
في هذه الزحمة الأسره التي عجت بها المدينه منذ لحضات الفجر الأولى ..شاهد نفسه ينسل من ثقب اونافذة من منتصف البيت وينطلق كالسهم في اتجاه المروج..وخلفه تنطلق كالسهام كوكبة ..وحده مدرسيه مهمتها الرسميه اعادة التلاميذ الفارين من المعلامه..المكتب.. المدرسه اعادتهم قهرا ليواجهوا الجزاء المحتوم..وقد كان على بينه من نفسه ويعلم المصير الذي ينتظره .. دفعه ذلك لأن يطلق لرجليه الريح ويسبق الطير في اتجاه وادي السعد..اشجار العظرب والقصاص والعوسج وشجيرات الحرمل والريحان والراء والحسك والرهب وعنب الذيب والنقم والقرض واشجار التين البري حجبته عن مطارديه في غول بني جيلان ليلتف ثانية عبر السيله نحو الحضاير..وهناك اعلنت نتيجة المطارده وعودة المطاردين بخفي حني " هجمك ياراس الغول من سيدنا قاسم " قالها في نفسه بشماته وهو يحس بنشوة الانتصار فى هذه المطارده..والحضاير كأسمها هي بمثابة بقاله شامله تحصل فيها على كل مايحتاجه مطبخك من بقول وحبوب وادويه نباتيه وفواكه في موسم الصيف.
جلس تحت شجرة تين وفي يده حزمة كراث اخرج من جيبه اول قلم حبر يمتلكه كان قد اشتراه بنصف الثمن "بقشتين ونص" من محمد صالح محمد - رحمه الله- بعيد مجيئه من كينيا..رسم بعض الخطوط في يده واستمر في تناول الكراث .. استراح لاصوات المغردين وهم يقوموا بسقاية المحاصيل من بـئـرين كان الماء يوضع من احداهما في حوض ليتسرب من ساقيه معلقه فوق جسر يمتد الى غول الحمري والقضاه "بني دربه" سحر الماء ليس له قدرة على مقاومته فسار يرقبه وهو يجري في السائلة وفوق الجسر يقطع سيلة دامن الى الضفه الأخرى ليروي القمح النيساني الذي اشتهر به هذا الغول. وتحت الجسر ادهشه سحر الطبيعه في سيلة دامن رمل ذهبي وفضي تشكل بفعل عوامل التعريه من رياح وامطار وجاء مع السيول من كل مفصل من مفاصل شامخ دامن .. السيله غابه من اشجار لا حصر لها وازهار ونحل وطيور بكل الألوان ورائحة النعناع والرياحين ومصيص الطيور والطبيعه الخلابه تنبعث وتنتشر في الهواء الطلق المنعش والنقي ومياه عذبة تتلوى كثعابين راقصة في المنحدر العميق تمضي لتلقي بالتحيه على الشجرة المعمره المشهوره با سم "خمعة أرنــب" واشجار التيــن الممتده على حافة السيله .. تطبع الاف القبل على سهول الســـعد الممتده الى مزارع بير القصــه وتتعانق في حب ابدي مع بقايا سيول الرحب القادمه من اعلى الوادي وتمضي مجتازة وادي الحنكه لتلتقي مع كل تفرعات وديان الخير في القيد الجاهلي وعـدنـه الى بـناء .. الى أبين .. الى بحر العرب ..
وتحت الخمعة العتيده استلقى ليأخذ قسطا من الراحه واخذت يده تلعب في الرمل تشكل بيت الغراب ومزارع وابار واشياء اخرى لاتحسنها اللا اصابع الاطفال.. ومن ثم خطر على باله ان يدخل في ثنايا الشجره العملاقه بحثا عن هذا الأرنــب السعيد الذي يملك هذه الشجره العملاقه.. قالت له الصغيره راعية الأبقار وحارسة الوادي "الارنب معه بيت في الفارده .. وفي الصباح ينزل بير الصنـــاع يشرب ويوكل له سبوله من الوادي حق بني الصواف او بني شريف اوبني عميان.. أما هانا ما يجزم مني .. شارجمه بالوضف"
في طريق العوده سارعبرالمدخل الغربي للمدينه هابته قبور الأموات فاطلق رجليه للريح نحو المطحاسه اسفل الجبانه واستدرك انه يمظي في الطريق المؤدي الى المدرسه فغير وجهته نحو داود.. من ثم الى السعيدي في بطن القرين..بركة مــاء استمتع فيها بعض الوقت مع مجموعه من "الفرار" .. تملكه احساس شديد بالجوع فانطلق نحو البيت لتستقبله أخته بصوت فيه من الخوف ما لم تقدر على كتمانه .. صرخت فيه "هجمك (بضم الهاء) ..قد مكنوا لك عسكري"














أبريل 29th, 2009 at 29 أبريل 2009 3:47 م
السلام عليكم الاستاذ محمد ابداع في ابداع